ابن السماك ..سيد الوعاظ ..هكذا أبكى هارون الرشيد

  • هو أحد أئمة الزهد وأحد أبرز ألقابه سيد الوعاظ، له من النوادر والأقوال المأثورة التي تنطوي على الحكمة والفطنة وحسن التصرف.

    هو محمد بن صبيح الْمُذكِّر، أبو العباس العِجْليُّ الكوفيُّ، المعروف باسم "ابن السمَّاك" ، القاص الواعِظ الزاهد المشهور، من وعَّاظ القرن الهجري الثاني، والسَّمَّاك نسبة إلى بيع السمك وصيده.

    كان زاهداً عابداً، حسن الكلام، صاحب مواعظ، جُمِعَ كلامه وحُفِظَ، ولقي جماعة من الصدر الأول وأخذ عنهم؛ مثل: هشام بن عروة، والأعمش، والثَّوري، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم.

    وقد روى عنه: أحمد بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن أيوب العابد، ومحمد بن عبد الله بن نُمَير.

    قدم ابن السماك من الكوفة إلى بغداد زمن هارون الرشيد، فمكث بها مدة، ثم رجع إلى الكوفة فمات بها.

    نوادر ابن السماك مع الرشيد:

    كان هارون الرشيد قد حلف أنه من أهل الجنة، فاستفتى العلماء فلم يفته أحد بأنه من أهلها، فقيل له عن ابن السمَّاك ، فاستحضره وسأله، فقال له: هل قدر أمير المؤمنين على معصية فتركها خوفاً من الله تعالى؟ فقال: نعم، كان لبعض ألزامي جارية فهويتها وأنا إذ ذاك شاب، ثم إني ظفرت بها مرة، وعزمت على ارتكاب الفاحشة معها، ثم إني فكَّرت في النار وهولها وأن الزنا من الكبائر، فأشفقت من ذلك، وكففت عن الجارية مخافةً من الله تعالى، فقال له ابن السماك: أبشر يا أمير المؤمنين فإنك من أهل الجنة، فقال هارون: ومن أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} [النازعات: 40 – 41]، فسُرَّ هارون بذلك.

    ودخل ابن السماك على رئيس في شفاعة لفقير، فقال: “إني أتيتك في حاجة، والطالب والمعطي عزيزان إن قضيت الحاجة، ذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عِزَّ البَذْلِ عن ذُلِّ المنعِ، وعِزَّ النُّجْحِ على ذُلِّ الرَّدِّ”.

    ودخل يوماً على الرشيد، فقال: “يا أمير المؤمنين، إن لك بين يدي الله موقفاً، فانظر أين منصرفك؛ إلى الجنة أم إلى النار؟” فبكى الرشيد حتى كاد يموت.

    دخل ابن السمَّاك على محمد بن سليمان بن علي، فرآه مُعرِضاً عنه، فقال: ماليَ أرى الأمير كالعاتبِ عَليّ؟، قال : ذلك لشيءٍ بلغني عنكَ كرِهْتُه، قال: إذا لا أُبالي، قال: و لِمَ؟ قال ابن السمَّاك: “لأنَّهُ إذا كان ذنباً غَفَرْتَه، وإن كانَ باطِلاً لم تقْبَله”.

    وتكلم يوماً وجاريته تسمع كلامه، فقال لها: كيف سمعت كلامي؟ فقالت: هو حسن، لولا أنك تردده، فقال: أردده كي يفهمه من لم يفهمه، فقالت: إلى أن يفهمه من لم يفهمه يمله من فهمه.

    قال أبو بُردة لابن السمَّاك: ما تقولُ يا أبا العبَّاس في جَوْزينَج (ضرب من الحلاوات يُعمل من الجّوْز) رَقَّ قِشْرُه، واشتدَّتْ عُذُوبَتُه، غَرِيقٌ في سُكَّرٍ ودُهْنِ لوزٍ؟، قالَ: أيْ أخِي! ما أشَدَّ الوَصفَ إذا لَمْ أرَ مَعَهُ المَوصُوف! فإنْ كَانَ الَّذي ذَكَرْتَ حاضِراً فَمَنظَرُهُ أحَبُّ إليْنا مِنْ وصْفِه، وإن لمْ يَكُن حاضِراً فليفتنا كَمَا فَاتَنَا مَنْظَرُه.

    مأثوراته ومواعظه:

    سعى ابن السمَّاك يوماً إلى مجلس الرشيد الذي استدعاه، وقد قال الأول للثاني: “يا أمير المؤمنين، إن الله لم يجعل أحداً فوقك، فاجتهد ألا يكون فيهم أحدٌ أطوع إلى الله مِنك، ولئن كُنتُ أقصرتُ الكلام لقد أبلغتُ في الموعظة”، فقال له الرَّشيد “زدني يا رجل”، فقال ابن السمَّاك : “يا أمير المؤمنين، اتّقِ الله وحده، واعلم أنَّك واقفٌ غداً بين يديْ ربِّك، ثم مصروفٌ إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما؛ جنَّة أونار..”.

    وفي مجلسٍ آخر؛ طلبَ الرَّشيدُ ماءً فشَرِب، وحمِدَ الله، ثم قال للسمَّاك: عِظْني، فقال: يا أمير المؤمنين، بِكَم تشتري هذه الشربة لو مُنِعتها؟!، فقال الرَّشيد: بنِصف مُلكي؛ فقال ابن السمَّاك: اشربْ هنيئاً، ولكن أرأيتَ لَوْ تعذَّر خروجها من بدنك، فَبِكَم كُنتُ تشتري ذلك؟!، فقال: بنصف مُلكي الآخر، فقالَ ابن السمَّاك: “إنَّ مُلكاً قيمته جميعَه شربةُ ماء لخليقٌ ألا ينافس عليه أحد”.

    من أقوال ابن السماك

    وقال ابن السمَّاك واعظاً: “خفِ الله كأنك لم تُطِعْه، وارجُ الله كأنك لم تَعْصِه”.

    وقال: “من جرَّعته الدنيا حلاوتها بميلة إليها جرَّعته الآخرة مرارتها بتجافيها عنه.

    وقال: “الدنيا كلها قليل، والذي بقي منها قليل، والذي لك من الباقي قليل، ولم يبق من قليلك إلا قليل، وقد أصبحت في دار العزاء، وغداً تصير إلى دار الجزاء، فاشتر نفسك، لعلك تنجو”.

    عزَّى ابن السمَّاك رجلاً فقال: عَليكَ بالصَّبر ، فبهِ يَعملُ من احتسب، وإليهِ يَصيرُ مَن جَزِع، واعلم أنَّهُ ليسَ مُصيبةٌ إلَّا ومَعَها أعظَمُ مِنها، من طاعةِ اللهِ فِيها أو مَعصِيتهِ بها.

    وقال: ” كم من شيءٍ إذا لم ينفع لم يضرَّ، لكنَّ العِلْمَ إذا لم ينفع، ضرَّ”.

    وقال: “همة العاقل في النجاة والهرب، وهمة الأحمق في اللهو والطرب، عجباً لعين تَلَذُّ بالرُّقاد، وملك الموت معها على الوِساد، حتى متى يُبلِّغُنا الوعَّاظ أعلام الآخرة؟ حتى كأن النفوس عليها واقفة، والعيون ناظرة، أفلا منتبه من نومته، أو مستيقظ من غفلته، ومفيق من سكرته، وخائف من صرعته؟ كَدْحاً للدنيا كَدْحاً، أما تجعل للآخرة منك حظاً؟ أُقسِمُ بالله، لو رأيْتَ القيامة تخفق بأهوالها، والنار مشرفة على آلِهَا، وقد وُضِعَ الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، لسرك أن يكون لك في ذلك الجمع منزلةٌ، أبعد الدنيا دار مُعْتَمَلٍ، أم إلى غير الآخرة مُنْتَقَلٌ؟ هيهات، ولكن صُمَّتِ الآذان عن المواعظ، وذَهَلَتِ القلوب عن المنافع، فلا الواعظ ينتفع، ولا السامع ينتفع”.

    تميز ابن السماك بزهده وورعه

    تميز ابن السمّاك بزهده وورعه

    وقال: “هَبِ الدنيا في يديك، ومثلها ضُمَّ إليك، وهَبِ المشرق والمغرب يجيء إليك، فإذا جاءك الموت، فماذا في يديك؟!”.

    وكان دوماً يتمثَّل هذه الأبيات:

    إذا خـــــلا القبــــور ذو خـــطـــــرٍ .. فــزرْهُ يوماً وانـــظرْ إلى خطره

    أبــــــرزَهُ الدَّهـــــرُ مِنْ مســـــاكنِهِ .. ومِنْ مقاصيـــــرِهِ ومِنْ حجــــره


    ابن السماك في رثاء الطَّائي:

    قال عبد الرحمن بن الحسين بن محمد بن مصعب: لمَّا مات داوود الطائي تكلَّم ابن السماك فقال: “إن داوود نَظَر إلى ما بين يديهِ من آخرته، فأعشى بصرُ القلبِ بَصرَ العينِ، فكأن لم ينظر ما إليه تنظرون، وكأنكم لم تنظروا إلى ما إليه ينظُر، فأنتم منهُ تعجبون وهو منكم يَعجَب، فلمَّا رآكم مفتونين مغرورين، قد أذهَلَت الدنيا عقولكم، وأماتت بحُبِّها قُلوبكم؛ استوحش منها”.

    ” فكنتُ إذا نظَرتُ إليه حسِبتهُ حيَّاً وسطَ أموات؛ يا داوود، ما أعجب شأنكَ بين أهل زمانك، أهَنتَ نفسَكَ وإنما تُريدُ إكرامها، وأتعبتَها وإنما تريدُ راحَتها، وأخشَنتَ المطعَم وإنما تريدُ طِيبهُ، وأخشنتَ الملبس وإنما تريدُ لِينهُ، ثم أمَتَّ نفسك قبل أن تموت، وقبرتَها قبل أن تُقبَر، وعذَّبتها قبل أن تُعذَّب؛ سَجَنتَ نفسك في بيتك فلا مُحدِّث لك ولا جليسٍ معك، ولا فِراش تحتك، ولا سِترَ على بابك، ولا قُلَّة يُبَرَّدُ فيها ماؤك، ولا صَحفَة يكون فيها غداؤك وعشاؤك”.

    ” يا داوود، ما تشتهي من المياه بارِدَهُ، ولا من الطَّعامِ طَيِّبه، ولا من اللِّباس ليِّنه؛ بلى، ولكن زهِدتَ فيما لما بين يديك؛ فما أصغَرَ ما بذلتَ وما أحقَرَ ما تَرَكتَ في جنبِ ما رَغِبتَ وأمَّلت، فلما مِتّ شَهَرَكَ ربُّكَ بفضلك، وألبَسَكَ رداءَ عمَلِك، فلو رأيتَ من حضَرَك؛ عَلِمتَ أن ربَّك قد أكرَمَك وشرَّفَك”.

    أقوال العلماء فيه:
    قال عنه الذهبي: “كان كبيرَ القدر، دخل على الرشيد فوعظه وخوَّفَه”، وقال عنه أيضاً: “الزاهد، القدوة، سيد الوعَّاظ”.

    وقال يوسف بن تَغْري بَرْدي: “كان له مقام عظيم عند الخلفاء”.

    وقال ابن نُمَير: “صدوق”.

    وفاة ابن السمَّاك:
    توفي ابن السماك رحمه الله في الكوفة، سنة 183هـ.