رحمة الله سبقت غضبه .. ما معنى هذا؟

  • من المقرر شرعا أن رحمة تعالى وسعت كل شيء، وأنه تعالى رحيم بعباده يحب من تاب وأناب يغفر له ويرحمه فهو الرحمن الرحيم.
    وهناك عشرت الأدلة التي يؤيدها الواقع لرحمة لالله بالمستضعفين الذين يلجأون إلى الله يرجون رحمته ويخافون عقابه.
    ومما ورد مما يجل على رحمة الله تعالى قوله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"، وقد فسره العلماء بحد معنيين:
    المعنى الأول:
    أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه؛ لأن رحمته تعالى تدرك عباده من غير حق سابق لهم، بل تفضلا منه سبحانه وتعالى، أما الغضب فهي صفة له سبحانه وتعالى، لا يلحق أثرها بالعباد إلا إذا صدر منهم سبب استحقاق الغضب والعقوبة، من كفر وعصيان؛ فلذا رحمته تعالى في هذا الوجود سابقة على غضبه سبحانه وتعالى.
    والمعنى الثاني:
    أن رحمته تعالى بخلقه، حتى العصاة والكفار منهم: أغلب من غضبه سبحانه عليهم، والأظهر في سبق الرحمة المعنى الثاني، ويؤيده أن الحديث ورد بلفظ: (إن رحمتي تغلب غضبي).
    ويؤيد هذا المعنى الثاني تهاوُن العباد وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى وهو يرحمهم سبحانه::(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْدَابَّةٍ)، فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعِّمهم بالظاهر ولا يؤاخذهم، هذا في الدنيا.
    من مظاهر رحمة الله:
    ولرحمة الله مظاهر كثيرة أهمها:
    فمن رحمته الله أنه ابتدأ خلقه بالنعمة بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وبسط لهم من رحمته في قلوب الأبوين على الأبناء، من الصبر على تربيتهم، ومباشرة أقدارهم؛ ما إذا تدبره متدبر أيقن أن ذلك من رحمته تعالى، ومن رحمته السابقة أنه يرزق الكفار وينعمهم، ويدفع عنهم الآلام، ثم ربما أدخلهم الإسلام رحمة منه لهم، وقد بلغوا من التمرد عليه، والخلع لربوبيته، غايات تغضبه، فتغلب رحمته، ويدخلهم جنته، ومن لم يتب عليه حتى توفاه، فقد رحمه مدة عمره بتراخي عقوبته عنه، وقد كان له ألا يمهله بالعقوبة ساعة كفره به، ومعصيته له، لكنه أمهله رحمة له.
    ومع هذا؛ فإن رحمة الله السابقة أكثر من أن يحيط بها الوصف.
    فالعباد سبقت إليهم رحمة الله تعالى الدينية والدنيوية؛ ولا يحلقهم غضبه سبحانه إلا إذا تمادوا في عدم شكر هذه الرحمة، ولم يتوبوا من هذا التمادي، فإن تابوا رفعت عنهم آثار الغضب.
    كما في قوله تعالى: "كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى، وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى".
    ولا يحل عليهم الغضب بسبب كفران النعم، إلا بعد سبق رحمة الإنذار والبيان.
    قال الله تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا".
    ومن الصور التي يظهر فيها معنى هذا الحديث، ما جاء في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً.