يحيى عليه السلام.. سماه الله بنفسه واصطفاه ثم يموت ذبيحًا.. فما

  • القصص القرآني له طبيعة خاصة فهو ليس كبقية القصص؛ إذ فيه الكثير من العظات والعبر ولقد كانت قصص أنبياء الله ورسله حلقات زاخرة من هذه الفيض القرآني المبارك الذي نحتاج إليه في دنينا وفي كل يوم نستفيد منه ما حيينا يعالج مشاكلنا ويقوم طريقنا.

    قصة نبي الله يحيى عليه السلام من القصص التي لم تأخذ حقها في التدول ولم يتوقف عندها الكثير من الدعاء لكنها وبرغم قصرها فيها الكثير من الحكم والمواعظ؛ فنبي الله يحيي ولد بعدما كبر لأبيه زكريا عليه السلام.. وأصبح شابًا، سماه بنفسه سبحانه، واختار له اسما لم يتسم به أحد قبله، وصنعه على عينه... فكان آية في الخلق والدين.
    والمتأمل في هذا المشهد يتعجب ألم تكن الأرض والناس أحوج لهذا النبي الكريم من ذلك الملك الماجن ومن معه؟ ألم يختر الله له اسما فيه معنى الحياة؟
    ألم يكن يحيى أكرم على الله من أن يجعله رخيصا تعبث برأسه المقطوعة بغي، أو يستهين بها ظالم؟! أليس هذا يحيى السيد الحصور الخلوق المحبوب من الناس جميعا لوجهه الحسن وسمته الأحسن؟ فلم يموت هذه الميتة الشنيعة وهو النبي الثلاثيني صغير السن كبير المقام.

    لكن سرعان ما يزول العجب كما ذكر خالد حمدي أحد المنشغلين بالقرآن وتدبره إذ توصل إلى الحقيقة التي نعرفها جميعا فالأهم عند الله ليس وجه يحيى الجميل ولا رأسه الكريم، لكن الأهم عنده سبحانه هو إقامة الحجة وأداء الأمانة وقد فعل، وبعد ذلك فالجنة أولى بشبابه، وسكانها أولى بجواره؛ فالبشرية المسكينة تطفئ مصابيحها بيدها عن طريق ملوكها الظالمين أو شعوبها الخانعين!!
    ومن المعلوم أن الثبات على المبدأ أفضل عند الله من بقاء النبي...ولو كان بروعة يحيى، وانتصار العقيدة وأصحابها هي النصر الحقيقي ولو كان ثمن ذلك ألف نبي، فما قيمة بقاء أحدنا على حساب دينه؟! وما قتل يحيى وزكريا وأصحاب الأخدود وآلاف النبيين إلا رسالة بذلك. آلاف الطواغيت والظالمين من أمثال من قتلوا يحيى.. هلكوا وخمُل ذكرهم بينما المذبوح من أجل الحق.. أبقى ذكرا بين الخلق!! وكأن الله يقول لك من خلال يحيى وقصته:
    قم للحق واثبت عليه، ولا تتضعضع فيه وإن قتلت قتلة رخيصة من أناس رخاص... فما خلقتك إلا لمثل هذا، وما بعد ذلك فعلى الدنيا العفاء، فدلال الناس على الله، والمسترخصون حياتهم له يعيشون هنا قصيرا لأن الباطل لا يطيقهم، بينما حياتهم الأطول هناك عند من مضى وقد صنع صنيعهم.

    لهذا كان غلام أصحاب الأخدود يهين قاتله الملك باستخفافه بالموت، ولهذا كان زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي يغيظان قاتليهم في مكة باستهانتهم بالموت وهم على خشبة القتل بعد الصلب!!
    لو كان المقصود بقاء المصلحين ما سمح الله بقتل يحيى مثل هذه القتلة، لكن المقصود هو بقاء الدين ولو فنينا من أجله أجمعون، فالمصلح قيمته هناك لا هنا وروحه مقامها قصير في عالم الفنا، فليحسن عمله، وليثبت على دينه، ثم ليترك الأمر لصاحبه... إن شاء قبضه وإن شاء أبقاه، المهم أن يبقى الدين... ولو مات هو من أجله ألف مرة.
    أما الطغاة فموتهم من الضعف ألف مرة أمام استعلاء المؤمنين، أشد على نفوسهم من ألف طعنة بسكين، فهذ العبرة جديرة بالتأمل والتدارس من قصة نبي الله زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام رحمه الله وغفر له..