"للبث في بطنه إلى يوم يبعثون".. "الشعراوي" يرد على شبهة بقاء يو

  • "وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" (الأنبياء: 87)
    يقول العلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي:

    {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}. {ذو النون}: هو سيدنا يونس بن متى صاحب الحوت، والنون من أسماء الحوت، وجمعه نينان كحوت وحيتان؛ لذلك سُمِّيَ به، وقد أُرسل يونس عليه السلام إلى أهل نِينَويَ من أرض الموصل بالعراق.
    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعداس: «أنت من بلد النبي الصالح: يونس ابن متّى». والنون أيضًا اسم لحرف من حروف المعجم، لَكِن قد يوافق اسمُ الحرف اسمًا لشيء آخر، كما في ق وهو اسم جبل، وكذلك السين، فهناك نهر اسمه نهر السين، وهكذا تصادف أسماء الحروف أسماء أشياء.
    وقوله تعالى: {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87] مادة غضب نأخذ منها الوصف للمفرد. نقول: غاضب وغضبان، أمّا مغاضب فتعطي معنى آخر؛ لأنها تدل على المفاعلة، فلابد أن أمامك شخصًا آخر، أنت غاضب وهو غاضب، مثل: شارك فلان فلانًا.
    لَكِن في أصول اللغة رجحنا جانب الفاعلية في أحدهما، والمفعُولية في الآخر، كما نقول: شارك زيدٌ عَمْرًا، فالمشاركة حدثتْ منهما معًا، لَكِن جانب الفاعلية أزيد من ناحية زيد، فكلُّ واحد منهما فاعل مرة ومفعول أخرى.
    واللغة أحيانًا تلحظ هذه المشاركة؛ فتُحمِّل اللفظ المعنيين معًا: الفاعل والمفعول، كما جاء في قَوْل الشاعر العربي الذي يصف السير في أرض معقربة، والتي إذا سرْت فيها دون أنْ تتعرض للعقارب فإنها تسالمك ولا تؤذيك، فيقول:
    قَدْ سَالَم الحياتُ مِنْه القَدَمَا ** الأفْعُوانَ والشُّجاعَ القَشْعَمَا
    أي: أنه سَالَم الحيات، فالحيات سالمتْه، فالمسالمة منهما معًا، لَكِن غلب جانب الحيات فجاءت فاعلًا؛ لأن إيذاءَها أقوى من إيذائه، فلما أبدل من الحيات الأفعوان والشجاع القشعما وهما من أسماء الحيات كان عليه أنْ يأتي بالبدل مرفوعًا تابعًا للمبدل منه، إلا أنه نصبه فقال: الأُفْعَوانَ والشجاعَ القشعمَا؛ لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضًا مفعولٌ.

    فَمِمَّ غضب ذو النون؟

    غضب لأن قومه كذبوه، فتوعدهم إنْ لم يتوبوا أنْ يُنزل بهم العذاب، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به، فخاف أنْ يُكذِّبوه، وأن يتجرَّأَوا عليه، فخرج من بينهم مغاضبًا إلى مكان آخر، وهو لا يعلم أنهم تابوا فأخّر الله عذابهم، وأجّل عقوبتهم.
    وفي آية أخرى يُوضِّح الحق سبحانه هذا الموقف: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزي فِي الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} [يونس: 98].
    أي: لم يحدث قبل ذلك أنْ آمنتْ قرية ونفعها إيمانها إلا قرية واحدة هي قوم يونس، فقد آمنوا وتابوا فأجّل الله عذابهم.
    إذن: خرج يونس مُغاضِبًا لا غاضبًا؛ لأن قومه شاركوه، وكانوا سبب غضبه، كما حدث في مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة لَكِنه لم يهْجرهَا، فسُمِّيَتْ هجرة؛ لأن أهل مكة هجروا رسول الله أولًا، وهجروا دعوته وألجئوه أيضًا إلى الهجرة وتَرْك مكة، فهم طرف في الهجرة وسببٌ لها.
    لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطبًا مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى، ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منكِ ما خرجْتُ».
    وقد أخذ المتنبي هذا المعنى، وعبَّر عنه بقوله:
    إذَا ترحلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا ** ألاَّ تُفارِقَهُمْ فالراحِلُون هُمُ


    كيف يظن يونس أن الله لن يقدر عليه؟

    وقوله تعالى: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] البعض ينظر في الآية نظرةً سطحية، فيقولون: كيف يظن يونس أن الله لن يقدر عليه؟ وهذا الفَهْم ناشيء عن جَهْل باستعمالات اللغة، فليس المعنى هنا من القدرة على الشيء والسيطرة، ولو استوعبتَ هذه المادة في القرآن قَدَرَ لوجدت لها معنى آخر، كما في قوله تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَا آتَاهُ الله} [الطلاق: 7] معنى قُدِر عليه رزقه يعني: ضُيِّق عليه.
    ومنها قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الإسراء: 30] وقوله سبحانه تعالى: {فَأَمَا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ} [الفجر: 15- 16].
    إذن: فقوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] أي: أن يونس لما خرج من بلده مُغاضبًا لقومه ظنَّ أن الله لن يُضيِّق عليه، بل سيُوسِّع عليه ويُبدله مكانًا أفضل منها، بدليل أنه قال بعدها {فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] يريد منه سبحانه تنفيس كربته، وتنفيس الكربة لا يكون إلا بصفة القدرة له.
    فكيف يستقيم المعنى لو قلنا: لن يقدر عليه بمعنى: أن الله لا يقدر على يونس؟
    إذن: المعنى: لن يُضيِّق عليه؛ لأنه يعلم أنه رسول من الله، وأن ربه لن يُسلْمه، ولن يخذله، ولن يتركه في هذا الكرب.
    وقد وُجدَتْ شبهة في قصة يونس- عليه السلام- في قوله تعالى: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143- 144].
    فكيف يلبث في بطن الحوت إلى يوم يُبعثون، مع أن يونس سيموت، وسيأتي أجَل الحوت ويموت هو أيضًا، أم أن الحوت سيظل إلى يوم القيامة يحمل يونس في بطنه؟
    وفات هؤلاء نظرية الاحتواء في المزيجات، كما لو أذبتَ قالبًا من السكر في كوب ماء، فسوف تحتوي جزئيات الماء جزئيات السكر، والأكثر يحتوي الأقل، فقالب السكر لا يحتوي الماء، إنما الماء يحتوي السكر.
    فلو مات الحوت، ومات في بطنه يونس- عليه السلام- وتفاعلت ذراتهما وتداخلتْ، فقد احتوى الحوتُ يونسَ إلى أن تقوم الساعة، وعلى هذا يظل المعنى صحيحًا، فهو في بطنه رغم تناثر ذراتهما. {فاستجبنا لَهُ}.
    استجاب الله نداء يونس- عليه السلام- ونجَّاه من الكرب {وكذلك نُنجِي المؤمنين} [الأنبياء: 88] إذن: فهذه ليست خاصة بيونس، بل بكل مؤمن يدعو الله بهذا الدعاء {وكذلك} [الأنبياء: 88] أي: مثل هذا الإنجاء نُنْجي المؤمنين الذين يفزعون إلى الله بهذه الكلمة: {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] فيُذهِب الله غَمَّه، ويُفرِّج كَرْبه.