شهيد في غزوة أحد كلمه الله بعد استشهاده.. ما هي قصته؟

  • استشهد في غزو أحد سبعون صحابيّاً، من كبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، من بينهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وأخرين، إلا أن استشهاد الصحابي عبد الله بن حرام كان له شكل أخر، ضمن الذين سطروا بدمائهم وأرواحهم صفحات مضيئة في بذل النفس والروح في سبيل الله، وقال الله تعالى فيهم: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(آل عمران:169).

    شهيد كلمه الله

    كان عبد الله بن حرام من هؤلاء الشهداء، الذين اختصتهم الملائكة في جنازتهم وبعد استشهادهم، فلم يتغير جسده بعد دفنه، إلا أن الكرامة الكبرى التي لم ينالها غيره، أن كلمه الله عز وجل بعد موته، ، فهو الشهيد الذي تمنى أن يعود للدنيا ويقتل شهيداً مرة ثانية لما رأى من فضل ومنزلة الشهداء عند الله عز وجل.

    من هو عبد الله بن حرام

    هو عبد الله بن حرام الأنصاري، والد جابر رضي الله عنهما وبه كان يُكَنَّى، وهو أحد النُقباء الذين اختارهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ بيعة العقبة الثانية.
    قال عنه الذهبي في "سِيَر أعلام النبلاء": "الأنصاري السلمي، أبو جابر ، أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدراً واستشهد يوم أحد".
    وقال ابن حجر: "عبد اللَّه بن عمرو بن حرام بن ثعلب بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السّلمي، والد جابر بن عبد اللَّه الصّحابي المشهور، معدود في أهل العقبة وبدر، وكان من النقباء، واستُشْهِد بأحُد".
    ومنذ أن رجع عبد الله بن حرام رضي الله عنه من بيعة العقبة الثانية إلى المدينة المنورة وضع نفسَه وأهله وماله في خدمة الإسلام، وما أن شُرع الجهاد حتى كان في طليعة المجاهدين الذين يرجون ثواب الله والدار الآخرة، فشارك النبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، وقُتِل يوم أحُد شهيداً.

    استشهاد عبد الله بن حرام

    أبلى عبد الله بن حرام رضي الله عنه بلاء حسناً يوم أحد واستشهد فيها، وقد مثَّل المشركون بجثته بعد موته، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد، جيء بأبي مُسجى (مغطى الجسد والرأس)، وقد مُثِّل به (قطع أطرفه أو أنفه أو أذنه ونحو ذلك)، فأردت أن أرفع الثوب، فنهاني قومي، ثم أردت أن أرفع الثوب، فنهاني قومي، فرفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر به فرفع، فسمع صوت باكية أو صائحة، فقال صلى الله عليه وسلم: من هذه؟ فقالوا: بنت عمرو، أو أخت عمرو ، فقال صلى الله عليه وسلم: ولِمَ تبكي ؟ فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفِع) رواه البخاري.

    وعن جابر رضي الله عنه قال: "كان أبي أول قتيل، ودفن معه آخر (عمرو بن الجموح) في قبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر (بعد دفنه)، فإذا هو كيوم وضعته هُنَيَّة (لم يتغير)، غير أذنه" رواه البخاري.

    كيف كلمه الله؟

    عن جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله عنه قال: (لمَّا قُتِلَ عبدُ الله بن حرام يوم أُحُد، لقيَني رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر! ما لي أراك مُنكَسراً؟ قال: قلت: يا رسول اللّه! استُشْهِد أبي وترك عيالاً ودَيْناً، قال: أفلا أبشِّرُك بما لقي اللهُ به أباك؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: ما كلَّم الله أحدًا قطُّ إلَّا من وراء حجاب، وَكَلَّم أباك كِفاحاً (مباشرة بعد موته ليس بينهما واسطة)، فقال: يا عبدي، تَمنَّ عليَّ (سَلْنِي) أُعْطِك، قال: يا ربّ! تُحييني فأُقْتل فيك ثانية، فقال الله سبحانه: إنَّهُ سبق منِي أنهم إليها لا يُرجعون، قال: يا ربِّ! فأبلِغْ مَن ورائي، قال: فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(آل عمران:169)). رواه ابن حبان والترمذي.
    وتكليم الله عز وجل لعبد الله بن حرام رضي الله عنه مواجهة أو مباشرة ليس بينهما حجاب ولا رسول كان بعد موته واستشهاده وهو في عالم البرزخ، ولم يكن في الحياة الدنيا، وأحوال البرزخ والقبر من علم الغيب الذي لا يقال فيه بأي شيء إلا بنص شرعي، مثل تكليم الله للشهداء الذين قتلوا في سبيله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن الشهداء: (فاطَّلَع إليهم ربُّهُمُ اطِّلَاعة، فقال: هل تشْتَهون شيْئاً؟) رواه مسلم.
    وقد قال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}(الشُّورى:51): "هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل.. وقوله: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} كما كلم موسى عليه السلام، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم، فحُجِب عنها، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: (ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً)، وكان أبوه قد قُتِل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في دار الدنيا".
    وقال السيوطي في شرح سنن ابن ماجه: "فلا يتصور في الدنيا كلام الله تعالى مع عبده مواجهة، لأن أجساد الدنيا كثيفة لا يليق بها التجلي الذاتي، لأن الله تعالى لما تجلى للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، وأما في الآخرة فالتجليات تحصل للأرواح أو للأجساد المثالية لأجساد الجنة".