نهى النبي عن الأغلوطات فما معناها.. تعرف على موقف الصالحين منها

  • حسن الكلام رزق والتعنت فيه والتشدد مذموم ومكروه لدى كل الناس.. لا يتصور إنسان عاقل أن يقوم شخص بتحدي الناس وخاصة العلماء ومحاولة إحراجهم ويكون محبوبًا إن من يفعل هذا فكأنما يضيق على نفسه ويتحدى نفسه ويصاحب إبليس.
    من فضل الله علينا أن وهبنا دينًا جميلاً فيه كل جميل.. ونهانا عن التعنت والتصيد والجدال وإحراج الناس وإشاعة الفتن والتسبب في إحداث حالة من الهرج بين الصفوف وهو مهمة البعض ممن أغراهم الشيطان بالأمل بأن يصير عالما ينظر إلى بالبنان وليس الواقع كما يأمل.
    معنى الأغلوطات:
    الأغلوطات هي شذاذ المسائل وصعابها أو هي المسائل التي يُغالَط بها العلماء ليَزلُّوا فيها، فيهيج بذلك شرٌّ وفتنة" والمسائل لا يترتب على العلم بها عمل وكل قصد السائل إحراج الغير وإظهار وإثارة الفتنة.
    يقول الحسن البصري : شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يعمون بها عباد الله وقال مالك قال رجل للشعبي إني خبأت لك مسائل ، فقال : أخبئها لإبليس حتى تلقاه فتسأله عنها وقال مالك : العلم والحكمة نور يهدي الله به من يشاء وليس بكثرة المسائل وقال مالك قال بعضهم ما تعلمت العلم إلا لنفسي ما تعلمته ليحتاج إلي الناس .
    النهي عن الأغلوطات:
    وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود بسند فيه مقال عن معاوية رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلوطات"، وفي رواية: "الأغلوطات".
    وجاء في كتاب "جامع بيان العلم" بسند واهٍ عن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقد ذكروا المسائل عنده فقال: "أمَا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عُضَل المسائل؟"
    صور من الأغلوطات:
    اهتم بعض الولاة والأشخاص بهذا النوع من الجدال قيما وذكرت له مآثر في كتب السير ، فعن يحيى بن أكثم قال قال لي المأمون من تركت بالبصرة ؟ فوصف له مشايخ منهم سليمان بن حرب فقلت هو ثقة حافظ للحديث عاقل في نهاية الستر والصيانة فأمرني بحمله إليه فكتبت إليه فقدم فأدخلته إليه وفي المجلس ابن أبي داود وثمامة وأشباه لهما فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم ، فلما دخل سلم فأجابه المأمون ورفع مجلسه ودعا له سليمان بالعز والتوفيق ، فقال ابن أبي داود يا أمير المؤمنين نسأل الشيخ عن مسألة ؟ فنظر إليه المأمون نظرة تخيير له فقال يا أمير المؤمنين : ثنا حماد بن زيد قال : قال رجل لابن شبرمة : أسألك ؟ قال : إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس ولا تزري بالمسئول فسل ، وحدثنا وهب قال : قال إياس بن معاوية : من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمجيب أن يجيب [ ص: 76 ] عنها ، فإن كانت مسألته من غير هذا فليسأل قال فهابوه فما نطق أحد منهم حتى قام وولاه قضاء مكة فخرج إليها .
    وفي الصحيحين أن عبد الله بن مسعود سأله رجل كيف تقرأ هذا الحرف ألفا أم ياء من ماء غير آسن أو ياسن ؟ فقال عبد الله وكل القرآن قد أحصيت غير هذا الحرف قال : إني لأقرأ المفصل في ركعة فقال : هذا كهذا الشعر إن قوما يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع وقال في شرح مسلم هذا محمول على أنه فهم منه أنه غير مسترشد في سؤاله ، إذ لو كان مسترشدا لوجب جوابه وهذا ليس بجواب .
    وفي البخاري عن يوسف بن ماهك أن رجلا عراقيا قال لعائشة أي الكفن خير ؟ قالت : ويحك وما يضرك ؟ قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك ، قالت : لم ؟ قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف ، قالت وما يضرك آية آية قرأت قبل إلى أن قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور .
    ليس هذا من الأغلوطات:
    أحيانا يريد الشيخ أو المعلم أن يختبر تلاميذه فيرمي بالمسألة بين أصحابه ومن يحضره من الطلبة ليختبر ما عندهم فحسن لحديث { طرح النبي صلى الله عليه وسلم شجرة لا ترمي ورقها هي مثل المؤمن وأنه وقع في نفس ابن عمر رضي الله عنهما أنها النخلة ولم يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي النخلة } متفق عليه . ثم إن أصاب واحد وأخطأ غيره جاز مدح المصيب لتزداد رغبته وحرصه ويجتهد أيضا المخطئ ، وإن كان الأولى تركه .
    ويكره عيب المخطئ لحصول المصلحة بدونه مع ما فيه من كثرة الأذى . وهذه المسألة تشبه مدح الأمين والشهود للمصيب في السبق وعيب المخطئ وهو مكروه وقال ابن عقيل لا يجوز .
    وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن بحرا وكان كثيرا ما يخالف ابن عباس فحرم لذلك من ابن عباس علما كثيرا ، وسأل ابن سيرين ابن عمر عن إطالة القراءة في سنة الفجر ، فقال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة } قلت : لست عن هذا أسألك .
    فقال : إنك لضخم ألا تدعني أستقرئ لك الحديث ؟ ثم ذكره فيه تأديب السائل والتلميذ .
    وقوله به به بموحدة مفتوحة ، وهاء ساكنة مكرر ، قيل معناه : مه مه زجر وكف .
    قال ابن السكيت : هي لتفخيم الأمر معناه بخ بخ ، وقوله إنك لضخم إشارة إلى الغباوة وقلة الأدب لأن هذا الوصف يكون غالبا وإنما قال ذلك لأنه قطع كلامه وعاجله ، وقوله أستقرئ [ ص: 78 ] بالهمزة من القراءة ومعناه أذكره على وجهه بكماله.
    موقف الصالحين من الأغلوطات:
    حينما كان يرى العلماء والصالحون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم من يتكل ف المسلئل ويبلغ فيها يلقنونه دراسا في الأدب؛ فعن أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: "سلوني"، فسأله ابن الكواء، فقال: "ويلك سَل تفقُّهًا، ولا تسل تعنُّتًا"، وفي موضع آخر قال علي رضي الله عنه لابن الكواء: "إنك لَذَهَّابٌ في التِّيه، سل عمَّا ينفعك أو يعنيك"، قال: "إنما نسأل عما لا نعلم"؛ (جامع بيان العلم رقم: 726).
    وقال الربيع بن خثيم رحمه الله: "يا عبدالله، ما علَّمك الله في كتابه مِن عِلم، فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم، فكِله إلى عالمه ولا تتكلَّف؛ فإن الله يقول لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 86]".
    وقال يحيى بن أيوب رحمه الله: "بلغني أنَّ أهل العلم كانوا يقولون: إذا أراد الله ألا يُعَلِّم عبدَه، أشغله بالأغاليط.
    وعن الأوزاعي رحمه الله قال: "إذا أراد الله أن يَحرم عبدَه بركة العلم، ألقى على لسانه الأغاليط.
    وعن الحسن البصري رحمه الله قال: "شِرار عباد الله ينتقون شرارَ المسائل يُعنِتون بها عباد الله".
    وبعد فهذا جانب من إنكار الصالحين من عبد الله الخوض في هذه المسائل وما أحرانا أن نتمسك بالصالحين ونبتعد عما يثير الجدال والمراء.