درجات الجنة.. أدناها وأعلاها و آخر من يدخلها

  • الجنة هي المكان الذي أعده الله لعباده الطائعين المتقين جزاء لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وفيها أعد العظيم الكريم لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما بشر النبي الحبيب صاحب المقام المحمود صلى الله عليه وسلم.

    ولكن أهل الجنة ليسوا سواء كلهم في الجنة، بل هم متفاضلون في درجاتها، فمنهم من يكون في أعلاها درجةً مع أفضل البشر، ومنهم من يكون دون ذلك، كلّ بحسب عمله، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ أهْلَالْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ الْمَشْرِقِ أوِالْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ“. قالوا: يَا رَسُولَ الله تِلْكَ مَنَازِلُ الأنْبِيَاءِ لا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قال: “بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌآمَنُوا بِالله وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ” [أخرجه البخاري: 3256، ومسلم :2831] ففي هذا الحديث بيان برفعة درجات بعض أهل الجنة عن بعضهم.

    عدد درجات الجنة وأعلاها
    ومما يزيد الأمر وضوحًا وتأكيدًا ويبين أن الجنةدرجات بحسب العمل في الدنيا ما صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَااللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَابَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ،فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ –أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُالرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ” [أخرجه البخاري 2790
    .
    إن أعلى درجات الجنة هو الفردوس الأعلى، وهو أوسطالجنة وأعلاها وسقفه عرش الرحمن، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَااللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَابَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْض، فَإِذَا سَألْتُمُ اللهَ فَاسْألُوهُ الْفِرْدَوْسَ،فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ -أُرَاهُ- فَوْقَهُ عَرْشُالرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ” [أخرجه البخاري 2790].


    أما أعلى منزلة في الجنة فهي الوسيلة، وهي التي خصالله بها نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم-, وسميت وسيلة؛ لأنها أقرب الدرجات إلىالعرش, فهي أقرب الدرجات إلى الله -عزَّ وجلَّ-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَمَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَامَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله،وَأرْجُو أنْ أكُونَ أنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُالشَّفَاعَة” [أخرجه مسلم 2790]، ولهذا يجب أن نحافظ على هذاالذكر بعد الأذان، وأن نكثر من الصلاة والسلام على نبينا ونسأل الله له الوسيلة.

    أدنى أهل الجنة منزلة
    وإذا دخل المسلمون الجنة، فإن منهم من يكون في أعلى أهل الجنة منزلة، ومنهم من يكون فيأدناها منزلة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “سَألَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِمَنْزِلَةً؟ قال: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِالْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ؟وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأخَذُوا أخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ:أتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُوَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ، رَبِّ! فَيَقُولُ:هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْعَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، رَبِّ!.

    قال: رَبِّ!فَأعْلاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قال: أولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ” قال: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْقُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17]” [أخرجه مسلم 2790] والله إن اللسان ليعجز عن التعبير بعد هذا الكلام الرائع، اسمع؛ أولَئِكَ الَّذِينَ أرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْتَسْمَعْ أذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ,

    ويزيد النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر توضيحًا فيقول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ آخِرَأهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ، رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ،فَيَقُولُ: رَبِّ الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ،فَكُلُّ ذَلِكَ يُعِيدُ عَلَيْهِ: الْجَنَّةُ مَلأى، فَيَقُولُ: إِنَّ لَكَ مِثْلَالدُّنْيَا عَشْرَ مِرَارٍ” [أخرجه البخاري: 7511، ومسلم: 186] أين من ينافس علىقصر! أو فيلا ! أو أرض! أو امرأة أو مال، هذا آخر من يدخل الجنة له مثل الدنيا عشرمرات، سبحان الملك الوهاب.

    تفاضل في النعيم
    والجنة واسعة جداً عالية مرتفعة، واسعة المساحة،عالية المكان، قال الله تعالى: (سَابِقُوا إِلَىمَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِأُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21]،وقال الله تعالى يصف أحوال السعداء من عباده في الجنة: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَارَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً) [الغاشية: 8-11].



    وهم في هذا النعيم متفاضلون في القصور والدوروالمنزلة، قال الله تعالى: (وَإِذَارَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان: 20]، وقال الله تعالى: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِلَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُخَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [العنكبوت: 58]، وقال الله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْغُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُوَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [الزمر: 20] تأمل غرف من فوقها غرف! .

    استقبال الملائكة لأهل الجنة

    إن النعيم والطعام والشراب في الدنيا دون حُسن استقبال لا يُساغ ولا يُطاق، وإن من نعيم الجنة: حُسن استقبال أهلها، فإن الملائكةوخزنة الجنة تستقبل المؤمنين بالبشر والثناء والسلام، قال الله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَلَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73]،وقال الله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْفَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد: 23، 24]، وتؤمنهم الملائكة وتبشرهم، قال الله تعالى: (لَايَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء: )103.

    بغير حساب ولا عذاب
    و من المسلمين من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب،قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأجدُ النَّبِيَّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَاسَوَادٌ كَثِيرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، هَؤُلاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ: لا، وَلَكِنِانْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلاءِأُمَّتُكَ، وَهَؤُلاءِ سَبْعُونَ ألْفاً قُدَّامَهُمْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلاعَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لا يَكْتَوُونَ، وَلا يَسْتَرْقُونَ،وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [أخرجه البخاري:6541 ، ومسلم: 220].


    ليس هذا فقط بل فضل الله واسع، قال -صلى الله عليهوسلم- : “وَعَدَنِيرَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَاحِسَابَ عَلَيْهمْ وَلَا عَذَابَ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُحَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ” [صحيح سنن الترمذي: 1984].

    وبشر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بسعة رحمةالله تعالى ومغفرته للعاملين والصالحين من عباده، وأنه يتلقاهم ببره فيجمّل صورهمويدخلهم جنته الواسعة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَألْفاً، أوْ سَبْعُمِائَةِ ألْفٍ -لا يَدْرِي أبُو حَازِمٍ أيُّهُمَا قَالَ-مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، لا يَدْخُلُ أوَّلُهُمْ حَتَّىيَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ” [أخرجه البخاري:6554، ومسلم: 219