الإنابة إلى الله.. منزلة رفيعة وأمر إلهي...

  • الإنابة إلى الله هي منزلة رفيعة من منازل ومدارج السالكين إلى رضا الله عز وجل وولايته، والإرتكان إليه ، وهي صفة ملازمة لعباد الرحمن الصالحين، وعلامة لزمرة المتقين.

    و الإنابة في اللغة هي: الإسراع والتقدم.

    ولكن معنى أنابَ إلى الله غيرَ رَجَع، فممكن أن تنطلق من البيت, ثم تذكُرُ شيئاً في البيت, فتعودُ إلى البيت الهوينى، ولكنَّ الإنابة من معانيها الدقيقة: العودةُ إلى اللهِ بِسُرعةٍ إلى اللهِ عزّ وجل, المسارعةُ إلى الله.

    لذلك: كان سيدنا عُمر -كما يقولون-: وقّافاً عِندَ كِتابِ الله.

    المؤمنُ مذنِبٌ مُفتتنٌ توّاب, كثيرُ التوبةِ, كثيرُ الإنابةِ, يعودُ مباشرةً.

    يعني مثلاً: وقعَ في ذنبٍ مساءً ما آوى إلى فِراشِهِ إلا وهوَ تائبٌ مِنه, هذه الإنابة, أمّا الذي يقعُ في الذنب, ويتوبُ إلى اللهِ بعدَ أسبوع, أو بعدَ أسبوعين, أو بعدَ شهرٍ, أو شهرين, ليست هذه هيَ الإنابة، الإنابة هيَ المُسارَعةُ إلى اللهِ عزّ وجل، المُسرِعُ إلى مرضاتِه، الراجعُ إليه في كُلِّ وقت، المتقدّمُ إلى محابّهِ، المُبتَعِدُ عن مُسخِطاتِهِ ، بحسب ما يوضح الدكتور محمد راتب النابلسي في موسوعته.

    العلاقة بين التوبة والإنابة

    و قد يسألُ سائل ما علاقةُ التوبةِ بالإنابة؟ أنتَ تُبتَ إلى الله, ولكن الإنابة التوبة المُستمرّة، الرجوع المستقر إلى الله عزّ وجل.

    وقال العُلماء الإنابةُ: الرجوعُ إلى الحقِ إصلاحاً كما رَجَعتَ إليهِ اعتذاراً, وأن ترجِعَ إلى الحقِّ وفاءً كما رَجَعتَ إليهِ عهداً, وأن ترجَعَ إلى الحقِ حالاً كما رَجَعتَ إليهِ مقالاً.

    منزِلةُ من أدقِّ المنازل وردت في آياتٌ كثيرة، وفي المناسبة:

    أنَّ هذه المنازل هيَ في الحقيقة تفسيرٌ لكتابِ اللهِ عزّ وجل, ولكن ليسَ أساسُهُ الآيات المُتتابعة, ولكن أساسُهُ الآياتُ ذات الموضوع الواحد، ففي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تتحدثُ عن الإنابة, من هذه الآياتِ مثلاً:

    ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

    [سورة الزمر الآية: 54]

    أمرٌ إلهيٌ يقتضي الوجوب

    إن آيات القرآن الكريم في ذكرها للإنابة وحثها عليها يظهر ويؤكد أنها أمر إلهي وواجبة..قال عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾[سورة هود الآية: 75]

    وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾

    [سورة ق الآية: 6-8]

    أولاً: وصِفَ النبي الكريم سيدنا إبراهيم بأنهُ حليمٌ أواهٌ مُنيب.

    ثانياً: جاءَ أمرٌ إلهي وأنيبوا إلى ربِكم.

    ثالثاً: وُصِفَ العبدُ الذي يتأثرُ بآيات اللهِ الدالةِ على عَظَمتهِ بأنهُ عبدٌ مُنيب.

    آيةٌ رابعة:﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾

    [سورة غافر الآية: 13]

    رابعاً: ووصفَ اللهُ عزّ وجل عِبادهُ الصالحين بأنهم مُنيبونَ إليه:

    ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[سورة الروم الآية: 31]

    منزلة الإنابة

    هُناك منزِلة في القرآن الكريم يمكن أن نُسميّها: منزِلةَ الإنابة، ما معنى هذه المنزِلة؟.

    بعضُهم قال: إنَّ هذه المنزِلة تعني شيئين, لأنَّ هُناكَ إنابتين:

    1- إنابةٌ لربوبيته.

    2- وإنابةٌ لألوهيته.

    أولاً: إنابة الربوبية.

    فالإنابةُ للربوبيّة إنابةٌ عامّة.

    فكُلُ الخلق على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم ومِللهِم ونِحلِهم واتجاهاتِهم، مؤمنهم وكافرهم, وفاسقهم وطائعهم منيبونَ إلى الله, حينما تأتي الشِدّة.

    راكب طائرة, دخلت في سحابة مُكهربة, صار إمكان وقوعك كبير.

    راكب سفينة، واجهت مُشكلة. التحليل أظهر خللاً كبيراً في تركيب الدم..الصور الشُعاعية أظهرت خللاً في الخلايا.

    حينما تأتي المُصيبة جسمية أو مادية أو معنوية، في المالِ, في الولدِ, في الأهلِ.

    حينما يلوحُ شبحُ المصائب, كُلُ الخلق من دونِ استثناء, :مؤمنهم وكافِرهم, عالِمُهم وجاهِلُهم, من كُلِّ الأجناس, من كُلِّ المِلل, من كُلِّ النِحل مُنيبينَ إلى الله, ولكن هذه الإنابة بحسب ضعفِ الإنسان, بحسب افتقارِهِ إلى الله، بحسبِ أنهُ مقهور، بحسبِ أنهُ مُضطر.

    هذه الإنابة لا ترتقي بِكَ إلى الله، والدليل:﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 33]

    ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾

    الناس جميعاً، يعني حينما تأتي المُصيبة, وتنطلق إلى اللهِ عزّ وجل, هذا ليسَ لكَ فيهِ فضلٌ إطلاقاً, هذه طبيعةُ الإنسان، هذه جِبلّته، هذه فِطرَتُهُ، هذا ضعفُهُ، هذا افتقارُهُ، هذا اضطرارُهُ، هذا قهرُهُ, أيُّ إنسان، لذلك ربُنا عزّ وجل قال:﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾[سورة النجم الآية: 43]

    الله عزّ وجل طبعاً من قدرتِهِ -وهذا شيء بسيط جداً- أنهُ يجعلُ أشد الرِجالِ جَلَداً تنهارُ أعصابُهُ ويجهَشُ بالبُكاء.

    طبعاً: أن ترى طِفلاً يبكي شيء مألوف، أن ترى امرأةً تبكي شيء مألوف، أما أن ترى رجُلاً شديداً عتيداً جَلداً تنهارُ أعصابُهُ ويُجهِشُ بالبُكاء!! معنى ذلك: أنَّ اللهَ عزّ وجل حينما يؤدّبُ الإنسان, يعرِفُ كيفَ يؤدّبُهُ؟.

    فإذا الإنسان ضحك, وكان مَرِحاً, وانطلق لسانهُ, وهوَ بينَ أهلِهِ، بينَ أصدقائِه، في عملِه، مع شركائِهِ، هذا فضلُ اللهِ: أنَّ اللهَ سلّمَه, وعافاه, ويسر له أُموره, وإلا فأيُ خبرٍ مُزعج يقلِبُ حياةَ الإنسانِ جحيماً.

    إذاً: هذه الإنابة ليسَ لنا فيها فضلٌ إطلاقاً، هذه من جِبلّتِنا، من ضعفِنا، من قهرِنا، من افتقارِنا، من هلعِنا:

    ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [سورة المعارج الآية: 19-21]

    قُلتُ لكم من قبل: أنَّ طائرةً يركَبُها خُبراء من بِلادٍ, لا تؤمنُ باللهِ إطلاقاً, يعني لا تؤمنُ بوجودِ اللهِ إطلاقاً، دخلت هذه الطائرة في سحابةِ مُكهرّبةٍ, وبدا لرُكابِها أنها على وشك السقوط.

    حدثني من كانَ في الطائرة: أنَّ هؤلاءِ الذينَ يُلحِدونَ في ذاتِ اللهِ وفي آياتهِ, صـاروا يرفعونَ أيديهم إلى السماء: يا رب .. يا رب .. بلُغاتهم؛ أينَ إلحادُهم؟ أينَ عِلمانيتُهم؟ أينَ إنكارُهم؟ أينَ كُفرُهم؟.

    يضيف الدكتور محمد راتب النابلسي: أعتقد أنَّ كلكم قرأَ في القرآن آيات كثيرة, كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يستدرج الكافر أحياناً إلى سفينة, فإذا ماجَ البحرُ واضطرب ....:

    ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة يونس الآية: 22]

    فحينما تأتي مُشكلة وتلجأ إلى الله عزّ وجل، لا أُقللُ من قيمةِ هذا اللجوء, ولكن أُبلغـكَ أنَّ هذا اللجوء لا فضلَ لكَ بِهِ, لأنَّ هذه طبيعَتُكَ, وهذا افتِقارُكَ.

    ثانيًا: إنابة الألوهية.

    البطولةَ: أن تُنيبَ إليه إنابةَ الألوهيّة, وقد تحدّثتُ في درسٍ سابق – والكلام للدكتور محمد راتب النابلسي-, كيفَ أن الإلهَ الذي يستحّقُ العِبادة، الذي خَلَقَكَ يستحّقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي رَزَقَك يستحقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي أعطاكَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي مَنَحَكَ الأهلَ والأولاد يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي تفضّلَ عليكَ بنِعمةِ الهِدايةِ هوَ الإله.

    إذاً: لا معبودَ بحقٍ إلا الله، أنتَ حينما تنطلِقُ إلى اللهِ عزّ وجل من قناعة, من مُبادرَة، تنطَلِقُ ابتداءً إلى اللهِ عزّ وجل, وأنتَ في رَخاء, وأنتَ في بحبوحَة, فهذه هيَ البطولة، هذه هيَ الإنابةُ التي يُريدُها اللهُ عزّ وجل:

    أن تُنيبَ إليه إنابةَ حُب لا إنابةَ قهر، إنابةَ اشتياق لا إنابةَ اضطرار، إنابةَ اقتناع لا إنابةَ إجبار.

    لذلك قالوا الإنابةُ نوعان:

    إنابةٌ لربوبيته: وهذه إنابةُ المخلوقاتِ كُلِها, يشتَرِكُ فيها المؤمن والكافر, البرُّ والفاجر.

    ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾[سورة الروم الآية: 33]

    الإنابةَ البطوليّة هيَ إنابةٌ لألوهيته، وإنابةُ الألوهية؛ أي أن تعبُدهُ بعدَ أن تؤمنَ بهِ، أن تعبُدهُ وأنتَ مُحبٌ لهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ ترجوهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ راغبٌ فيما عِندهُ, من دونِ اضطرارٍ, من دونِ ضغطٍ, من دونِ إكراهٍ, من دونِ خوفٍ، لأن هذا الذي يُنيبُ إلى الله عِندَ الشِدّة.

    من لوازم هذه الإنابة: أنها إذا رُفِعت الشِدّةَ عادَ إلى ما كانَ عليه.

    أعِرفُ أُناساً كثيرين, حينما جاءتهم أزمةً في بعضِ أعضائِهم الخطيرة, أنابوا إلى الله, فلمّا تحسّنَ وضعُهم, وانزاحت عنهم هذه الآلام, وأظهرت النتائج المخبرية أنهم في صحةٍ جيدة, عادوا إلى ما كانوا عليه, من فِسقٍ وفجورٍ وانحرافٍ وطغيانٍ واستكبار.

    إذاً: الإنابة التي تأتي عِندَ الاضطرار سُرعانَ ما تنزاحُ عِندَ الرخاء.

    إذاً: لا قيمةَ لها, والدليل:﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾[سورة الروم الآية: 33]

    لكن روعة الآية: أنَّ فريقاً منهم، معناها: هُناكَ أُناسٌ حينما تأتيهم الشِدّة, وينيبونَ إلى الله, يستفيدونَ من هذه الشِدّة, وتكونُ إنابتُهم إلى اللهِ عزّ وجل مستمرة, والدليل:﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾