طالبُ العلم في زمن ^الكورونا^!!

  • تمرُّ على طالب العلم أزمنةٌ ذهبيَّةٌ لتحصيله المعرفي، يتهيَّأ له فيها من سعة الوقت وانصراف الشواغل ما يكون عونًا له على الخَطْوِ واسعًا في طريق تحصيله .. هذه الأزمنة هي ما يبرهن على صدق طلبِه إنْ هو استغلَّها، ومتى ما فرَّطَ في هذه الأزمنة المهداة كان ذلك طعنًا في عدالة جدِّيته.

    عليه في هذه الأزمنة: أن يسعى في تكثيفِ تحصيله، وسدادِ ديونه العلمية، أن يقلِّب دفتر المهام، ويقيِّدُ ما عسى أن ينجزه من مشاريعٍ وأعمال، ثم يبسطَ سجادة قراءته، ويبدأ في تسجيل أرباحه العلمية دون فتور.

    وفي هذه الأيام نعيشُ مرحلةً عصيبةً بفُشُوِّ هذا الوباء «كورونا» -كفى الله المسلمين شرَّه-، حتى اضطرَّ واحدُنا للزوم بيته، وتجرَّع الناسُ مرارةَ هذا الاضطرار، وامتُحِنَ صبرُهم في دقائقه الأولى فنَفِدَ أو كاد .. وأما الموفَّقُ فهو من يقرأ في صفحات هذه المِحْنة نصوصَ المِنَح، ويبحث في فجواتها عن مسالكَ ينفُذُ من خلالها إلى مدارج الرقي والرفعة، وينشغل بتحصيل العلوم، ناويًا بذلك التقرُّبَ إلى الله تعالى ومدافعةَ البلاء بصالح العمل، والعلمُ من أشرفِ ذلك وأرفعِه.

    وقد قال الخليل بن أحمد (170هـ): (إني لأغلق عليَّ بابي، فما يجاوزُه همِّي)[1]. ولذلك بلغ أنْ كان الخليلَ .. ونحنُ، فقد أُعِنَّا بأنْ غُلِّقَتْ أبوابنا، فلنُرِ أنفسَنا من منجَزَاتنا خيرا.

    قال أحمد أمين (1373هـ):

    (قليلٌ من الزمن يُخصَّص كلَّ يومٍ لشيءٍ معيَّنٍ قد يغيِّرُ مجرى الحياة، ويجعلُكَ أقومَ مما تتصوّر وأرقى مما تتخيَّل)


    وقال مارون عبود (1381هـ):

    (إنَّ ساعةً تُنتَزَعُ كلَّ يومٍ من ساعات اللَّهْوِ وتُستَعمَلُ فيما يفيد تُمكِّنُ كلَّ امرئٍ ذي مقدرةٍ عقليَّةٍ أن يتضلَّعَ من علمٍ بتمامه)

    وفي زمن «الكورونا»، بوُسْعِ طالب المعرفة أن يخَصِّصَ الكثير لا القليل، ساعاتٍ لا مجرَّد ساعة .. وإذا واظب في هذه الأيام على ذلك الكثير وتلك الساعات كان خليقًا بحصد الكثير من المنجَزَات، وما عليه ليتمكَّن من ذلك إلا التحلِّي بحِلْية الصَّبر، وللصبرِ -كما يقول ابن الجوزي- حَلاوةٌ تبين في العواقب.

    ولأنَّ هذه المرحلة عابرةٌ لا قارَّة، استثناءٌ لا أصل، محدودةٌ لا ممدودة = فمِنَ الرأيِ لطالب العلم أن يخصص لها مشروعًا ينقطعُ له ويقبلُ عليه، مشروعًا علميًّا متكاملًا يحقِّق به طالبُ العلم منجَزًا في أحد مجالات العلم والمعرفة.


    هذا المشروع من شأنه أن يكون قصيرَ المدى، ولكنه عظيمُ الفائدة والعائدة، له مبدأٌ ومنتهًى، يُحقِّقُ به المرءُ مُنجَزًا معرفيًّا مكتملَ الأركان، أيًّا ما كان ذلك المشروع، قراءةً أو حفظًا أو تأليفًا أو غير ذلك.

    وخاصَّةُ هذه الفَلَتات المرحليَّة العابرة أنها تجعل للمشروع العلمي موقعًا مكينًا من ذهنيَّة طالب العلم، لتماسكه بسبب قرب إنجازه واتضاح حدوده، كما أن ذلك يُروِّضُه على فضيلة الانقطاع للعلم وجمع الهم عليه.

    قال أبو هلال العسكريُّ (400هـ):

    (اجتهدْ في تحصيل العلم لياليَ قلائلَ، ثمَّ تذوقْ حلاوة الكرامة مُدَّةَ عمرك، وتمتَّع بلذَّة الشرف فيه بقيَّة أيامك، واستَبْقِ لنفسِك الذِّكرَ به بعد وفاتك)[4].


    لتكنْ وصيَّةُ أبي هلالٍ هذه نصب عينَيْك هذه الأيام، ثم إن ها هنا أمورًا من الحَسَنِ استصحابُها وأنت ترسم خارطة مشروعك في زمن الكورونا:


    الأول: لا تشتِّت مشروعك هذه الأيام بكثرة التنقُّلات، ولا بكثرة المشاورات، بل حدِّدْ لك غايةً وانطلق إليها، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [ آل عمران: 159 ]، لا تلتفت، فالمشروعُ لِيَنجحَ بحاجةٍ إلى مزيدِ تركيزٍ وتكثيفٍ للنظر في مساحات معينة دون تشعُّثِ همٍّ وانتقالِ خاطر.


    الثاني: أعِدَّ مجلسَ مشروعك بعناية، أسرِفْ في إعداده وترتيبه وتطييبه، فإن لذلك أثرًا بالغًا في تهيئة النفس للإنجاز والتحصيل.


    الثالث: اجعل لمجلس مشروعك حُرْمَةً لا تُنتَهَك، لا تزاحمْه بغيره، حدِّد له أوقاتًا لا يشاركه فيها غيره، وأوَّلُ ذلك أن تخلِّص مجلسك من وسائلِ التواصل الاجتماعي .. اُركُلْ -بلا رحمةٍ- هاتفَك بعيدًا عنك، ولا تخفْ، فلن يتواصل معك أحدٌ لتُسعِفَ العالم بلقاحٍ لا يعرفه سواك! ثم إن لك في هامش يومك سعةً في متابعة ما تشاء من وسائل التواصل، وأمَّا زمن فاعليَّة المشروع فاجعله خالصًا له.


    الرابع: لتكنْ أيَّامُ مشروعك هذا كالشركاء المتشاكسين، يقايض بعضُها بعضًا .. لا تُجْرِ بين أيامك عقودَ تبرُّع، ولك في أجزاء يومِك الواحدِ ما يغنيك عن الاقتراض من بقية الأيام، إذا فاتك نصيب الفجر فأدِّه الظهر، أو العصرِ فأدِّه المغرب، اجعل لكل يومٍ من أيامك هدفًا خاصًّا تحقق به مرحلةً من مشروعك، وإياك والتأجيلَ، فإنما سَيلُ العثرات اجتماعُ نُقَطِ التأجيل.